السيد كمال الحيدري
277
المعاد روية قرآنية
عَنْ ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ( طه : 124 ) ، ولكن هذا الحصاد هو غير الحصاد الأخروى . ومن النتائج المترتّبة على هذه الخصوصيّة أنّ الإنسان بيده أن يعيّن مصيره واتّجاهه في الآخرة : إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ( الإنسان : 3 ) ، فإذا ذهب في أحد السبيلين ثمّ انتهت النشأة الدنيويّة والبرزخيّة فحينئذ لا يمكنه الاختيار أو العمل لتغيير المصير ، أو أن ينقلب من حال إلى حال من الهداية إلى الضلالة أو من الضلالة إلى الهداية . فالباب الذي كان مفتوحاً له في الدُّنيا يُغلق عليه في الآخرة . فالآخرة هي نشأة ظهور نتائج الأعمال والاعتقادات وليست نشأة إيجاد الأعمال والاعتقادات ، ولا هي نشأة استكمال هذه الاعتقادات والأعمال كما هو الحال في الحياة البرزخيّة . ولو كانت الآخرة مثل الدُّنيا فلابدّ أن تكون أحكامها مثل أحكام الدُّنيا التي من أحكامها وجود الأنبياء والرسل والشرائع والأوصياء . . . ، فإذن لابدّ أن يُبعث للإنسان في الآخرة أيضاً الأنبياء والرسل . . . ! ! والله تعالى يبيِّن لنا أنّنا ننتقل من الدُّنيا إلى عالم آخر ، وإلى نشأة أخرى لها أحكامها وقوانينها الخاصّة بها : يَوْمَ نَطْوِى السَّمَاءَ كَطَىِّ السِّجِلِّ ( الأنبياء : 104 ) ، والطىّ عبارة عن طىّ نظام عالم المادّة للدخول إلى عالم آخر . الخصوصيّة الثانية : أنّ النشأة الدنيويّة هي نظام الأسباب والمسبّبات ، بمعنى أنّ الإنسان إذا أراد تحقيق شئ ما فإنّه يحتاج إلى السبب الذي يحقّق له ذلك الشئ . فالعطش لا يرتفع بمجرّد إرادة رفعه بل لابدّ من استعمال الماء وشربه حتّى يرتفع العطش . وهذا ما اقتضته حكمة الله تعالى الذي أبى أن تجرى الأمور إلّا بأسبابها ، وقد جعل لكلّ شئ سبباً .